تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
104
مباحث الأصول ( القسم الأول )
كما هو المختار في تعميق المسلك الثالث وتكميله ، فكلّ هذا لا يعطي للّفظ الدلالة التصديقيّة ، فإنّ مجرّد اعتبار اللفظ معنىً ، أو اعتباره على المعنى ، أو دالّاً عليه بعد فرض كفايته لانتقال الذهن إلى المعنى لا ربط له بالتصديق بإرادة المتكلّم لذلك المعنى ، وكذلك الإيجاد الواقعي للسببيّة في اللفظ لانتقال الذهن إلى المعنى ، فإنّ هذا لا علاقة له بالكشف عن إرادة المتكلّم له ، وعمليّة القرن أيضاً إنّما توجب انتقال الذهن من أحد المتقارنين إلى الآخر ، لا الكشف عن شيء . وقد ذكر السيّد الأستاذ - دامت بركاته - : أنّ الدلالة التصوّريّة في اللفظ المسموع من الجدار لا يصحّ فرضها دلالة وضعيّة ؛ لأنّ الهدف من الوضع إنّما هو التفهيم والتفاهم بين العقلاء ، وأمّا الجدار الذي لا يعقل ولا يريد شيئاً ، فمدّ الوضع إلى ما يسمع منه لغو ولا فائدة فيه ، ويكون خلاف حكمة الواضع « 1 » . وأنت ترى : أنّ هذا البيان لا موضوع له بناءً على ما بيّناه من أنّ الوضع هو أن يوجد الواضع في اللفظ ما هو سبب ذاتاً للدلالة ، وهو الاقتران ، وسببيّة الاقتران للدلالة تكوينيّة ، ولا تفكيك فيها بين مورد يوجد فيه هدف الواضع ومورد لا يوجد فيه هدفه ، فالواضع حينما قرن اللفظ بالمعنى تمّت الدلالة مطلقاً شاء أو أبى ، ولا يمكنه أن يفكّك بين ما يُسمع من إنسان فيكون دالّاً وما يسمع من جدار فلا يكون دالّاً « 2 » .
--> ( 1 ) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض حفظه اللَّه ، ج 1 ، ص 49 و 104 - 105 . وقد أتى في الموضع الثاني - أعني : ص 104 - 105 - بهذا البيان لإثبات عدم إطلاق الوضع للّفظ الصادر من لافظ غير ذي شعور حتّى على مسلك الاعتبار ، أمّا على مسلك التعهّد فهو ليس بحاجة إلى هذا البيان ، أعني : بيان لزوم اللغويّة ؛ وذلك لأنّ التعهّد من اللافظ غير ذي شعور لا معنى له ( 2 ) هذا بناءً على المسلك المختار ، وهو مسلك القرن الأكيد . والواقع : أنّنا حتّى لو - تكلّمنا على مسلك الاعتبار مثلًا ، فبرهان اللغويّة الذي ذكره السيّد الخوئيّ رحمه الله لنفي إطلاق الوضع للّفظ الصادر من غير ذي شعور غير صحيح ؛ وذلك لأنّ الإطلاق ليست فيه مؤونة زائدة كي تُنفى باللغويّة